تحديد ليلة القدر لأول مرة في تأريخ الفكر الإسلامي
بسم الله الرحمن الرحيم انا انزلنه في ليله القدر (1)
وما ادريك ما ليله القدر (2)
ليله القدر خير من الف شهر (3)
تنزل المليكه والروح فيها باذن ربهم من كل امر (4)
سلم هي حتي مطلع الفجر(5)
.....................................................
من تجليات الإعجاز العددي في القرآن الكريم أنه يمكن وباستخدام أساليبه بصورة حذرة ودقيقة من التوصل إلى أجوبة لبعض المسائل المُختلَف فيها أو التي لم يُجزم فيها أو تحتمل عدة أوجه حيث يُطرح كمؤيد ومُرجح لأحد الأوجه المطروحة، وقد تم دراسة سورة القدر المباركة في محاولة لتحديد ليلة القدر ، وقد ظهرت النتائج مطابقة تماماً لما أجمع عليه علماء مدرسة أهل البيت(ع)، استنادا إلى الروايات الشريفة عن الرسول الأكرم(ص) والأئمة الميامين(ع).
عند متابعة روايات أهل ابيت (ع) في هذا الصدد نخلص الى أن ليلة القدر هي إحدى ليالي العشر الأواخر الوترية من شهر رمضان المبارك وقد تكون ليلة تسع عشرة أو إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين أو تسع وعشرين حسب الروايات مع تأكيدات على ليلة ثلاث وعشرين وهي ليلة الجهني / هامش: (وحديثه: انه قال لرسول الله(ص): إن منزلي نائ عن المدينة فمرني بليلة ادخل فيها فأمره بليلة ثلاث وعشرين، قال الشيخ أبو جعفر(ع): واسم الجهني عبد الله بن أنيس الأنصاري).
سبب إخفاء ليلة القدر
والفائدة من إخفاء هذه الليلة أن يجتهد الناس في العبادة ويُحيوا جميع ليالي شهر رمضان طمعاً في إدراكها كما أن الله سبحانه أخفى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس واسمه الأعظم في الأسماء وساعة الإجابة في ساعات الجمعة / هامش: (تفسير مجمع البيان ج5 ص518.)، وعن أمير المؤمنين(ع) قال:
(إن الله تبارك وتعالى أخفى أربعة في أربعة، أخفى رضاه في طاعته فلا تستصغرن شيئاً من طاعته فربما وافق رضاه وأنت لا تعلم، وأخفى سخطه في معصيته فلا تستصغرن شيئاً من معصيته فربما وافق سخطه معصيته وأنت لا تعلم، وأخفى إجابته في دعوته فلا تستصغرن شيئاً من دعائه فربما وافق إجابته وأنت لا تعلم، وأخفى وليه في عباده فلا تستصغرن عبداً من عبيد الله فربما يكون وليه وأنت لا تعلم) / هامش: (الخصال للصدوق ج1 ص209.) ، بالإضافة إلى انه قد يحصل اختلاف في رؤية الهلال بين بلد وآخر أو بين أبناء البلد الواحد كما هو حاصل في عصرنا هذا، وبالتالي قد يخطئ الليلة من رام قيامها وإدراك فضلها فأُخفيت حتى يجتهد الناس في الشهر كله وخاصة العشر الأواخر.
وأما أسباب تعرضنا لمحاولة تعيين ليلة القدر فهي:
1. إن بعض الروايات قد أفصحت عن ليلة واحدة بعينها وما بحثنا إلا لترجيح كفة بعض هذه الروايات في حال تطابق النتائج معها.
2. إن كثيراً منا في عصرنا هذا حالهم حال الجهني .
3. إن من المندوبات تدبر القرآن ومعرفة أسراره سيما وأن هنالك أمر بالتحري وهو البحث و التفتيش عنها والله أعلم.
من المعلوم أن الليلة التي أطبق عليها رأي جمهور علماء الإمامية هي ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان المبارك فلنقرأ ونرى النتيجة :
البحث العددي
1. عدد أيام الشهر (30) - 7 ( لسبع بقين) = 23 (تقريراً لرواية عبد الله بن عباس كما جاء في البحث الروائي : فما أراها إلا ليلة ثلاث و عشرين لسبع بقين).
2. عدد حروف اللغة العربية هو ثمانية وعشرون حرفاً كلها استخدمت في سورة القدر باستثناء خمسة هي ( ث، ص، ض، ظ، غ ) فيكون الوارد في السورة ثلاثة وعشرين حرفاً أي:
28-5 = 23
3. بما إن مفهوم الاية: (ليلة القدر خير من الف شهر) يشير إلى أنها تساوي على اقل تقدير ألف شهر ليس في أي منها ليلة قدر، إذاً يمكن القول: ألف شهر = ليلة القدر
و بما أن عدد مرات تكرار التعبير الشريف (ليلة القدر) في السورة كاملةً هو (3) مرات،
وبما أن عدد مرات ورود أحرف التعبير الشريف (ألف شهر) في السورة كاملةً هو (69) وكما مبين فيما يلي:
تقسيم حروف السورة كاملة
أ = 19 د = 4 ض = 0 ك = 3
ب = 3 ذ = 1 ط = 1 ل = 23
ت = 2 ر = 12 ظ = 0 م = 12
ث = 0 ز = 2 ع = 1 ن = 8
ج = 1 س = 2 غ = 0 هـ = 10
ح = 4 ش = 1 ف = 4 و = 3
خ = 1 ص = 0 ق = 3 ي = 10
مجموع أحرف التعبير الشريف (ألف شهر) من الجدول السابق = 69 وكما يلي:
أ ل ف ش هـ ر ألف شهر
19 23 4 1 10 12 المجموع = 69
ليلة القدر= س
ألف شهر = ليلة القدر
فانه يكون:
69 = 3 س (لأنها وردت ثلاث مرات في السورة كاملة)
إذاً ليلة القدر = س = 69/3
= 23
4. عدد مرات ورود أحرف التعبير الشريف (ليلة القدر) في الآية: (انا انزلنه في ليله القدر)=23
5. عدد مرات ورود أحرف التعبير الشريف (ليلة القدر) في الآية: (ليله القدر خير من الف شهر)= 23
6. عدد مرات ورود أحرف التعبير الشريف (ليلة القدر) في الآية: (انا انزلنه في ليله مبركه انا كنا منذرين) (سورة الدخان، الآية 3.) = 23 باعتبار أن المقصود بالليلة المباركة هي ليلة القدر حسب التفاسير المعتبرة.
7. الآية الكريمة : (وما أرسلنك الا رحمه للعلمين) ، من المعلوم أن فترة الرسالة كانت 23 سنة . وعدد حروف هذه الآية هو 23 أيضاً والأمر ألأعجب هو أن عدد مرات ورود أحرف التعبير الشريف (ليلة القدر) في هذه الآية أيضاً هو 23 .
8. التعبير الشريف: (فانه نزله على قلبك باذن الله) (سورة البقرة، الآية 97) ، الذي يشير إلى أن جبريل(ع) نزّل القرآن على قلب النبي(ص) بإذن الله تعالى على مدى 23 سنة إذ أن التنزيل يكون تدريجياً بخلاف ألإنزال الذي يشير الى النزول الجملي. يشتمل هذا التعبير على بعض اللطائف العددية:
أ. رقم الآية التي يرد فيها هذا التعبير هو(97) و هو نفسه رقم ترتيب سورة القدر في كتاب الله.
ب. عدد حروف هذا التعبير هو (23) حرفاً.
ج. عدد مرات ورود أحرف التعبير الشريف (ليلة القدر) في هذا التعبير = 23.
9. إن الآية الكريمة: ( طه، ما انزلنا عليك القران لتشقى) (سورة طه ، الآية1- 2) أي لم نوحِ بالقران اليك لتتعب نفسك وتجعلها في العسر، فاذا تدبرتَ هذا فإليك مايلي:
أ. عدد حروف التعبير الشريف (ما انزلنا عليك القران لتشقى) = 23 حرفاً.
ب. عدد مرات ورود أحرف التعبير الشريف (ليلة القدر) في التعبير (طه، ما انزلنا عليك القران لتشقى) = 23
10. إن التعبير الشريف: (نزل به الروح الامين على قلبك) (سورة الشعراء، الآيتان 193 و 194) يشير إلى أن الروح الأمين نزل بالقرآن على قلب النبي(ص) وعلى مدى 23 سنة، فاذا تدبرت هذا فإليك مايلي:
أ. عدد حروف هذا التعبير الشريف = 23 حرفاً.
ب. عدد مرات ورود أحرف التعبير الشريف (ليلة القدر) في هذا التعبير = 23
11. إحصاء الفعل الثلاثي (نزل) في القران الكريم = 293 والعجيب في الأمر أن تسلسل الفعل الوارد في الآية (شهر رمضان الذي انزل فيه القران...) هو التسلسل 23 من بداية القران.
12 . إحصاء كلمة (نزل) مجردة من أية مضافات = 23 ، علماً أن هذه الكلمة تشير الى التنزيل التدريجي الذي استمر 23 سنة، بخلاف الفعل أنزل الذي يشير الى الإنزال الجملي الدفعي.
13. عدد مرات ورود كلمة (ليل) ومشتقاتها في القرآن الكريم = 92
وهذا بدوره = [ رقم السورة(97) – عدد الآيات(5) ].
وعدد مرات ورود أحرف التعبير الشريف (ألف شهر) في سورة القدر كاملة = 69 ، كما مر علينا آنفاً في الفقرة 3.
والآن : 92 – 69 = 23.
14. نجمع أعداد كلمة (ليلة) الظاهرة الواردة في القرآن الكريم وهي كما يلي:
أربعين ليلة (40) + ليلة الصيام (1)+ثلـــثين ليله (30)+ أربعين ليلة(40)+ ليلة مبــركة(1)+ليله القدر(1)+ ليله القدر(1)+ ليله القدر(1) = 115 ليلة
والآن نطرح من المجموع ورود كلمة (ليل) ومشتقاتها في القرآن الكريم وهو92 أي:
115 – 92 = 23
15. العدد 115 في الفقرة السابقة لا يقبل القسمة بناتج صحيح إلا على الرقم ( 23 ) من بين الأرقام (19، 21، 23، 25، 27، 29 ) والتي تمثل الليالي الوتر في العشر الأواخر، والتي حثت الروايات على تحري ليلة القدر فيها، وكما مبين فيما يلي:
115 ÷ 19 = 6.052
115 ÷ 23 = 5 و هو يساوي عدد آيات سورة القدر.
115 ÷ 25 = 4.6
115 ÷ 27 = 4.259
115 ÷ 29 = 3.965
16. عدد حروف الآية 185 من سورة البقرة (شهر رمضان … ولعلكم تشكرون) = 184 وهذا الرقم لا يقبل القسمة بناتج صحيح إلا على الرقم ( 23 ) من بين الأرقام (19، 21، 23، 25، 27، 29 ) والتي تمثل الليالي الوتر في العشر الأواخر.
17. الحساب التكراري للتعبير (شهر رمضان الذي انزل فيه القران) = 184 وهذا الرقم لا يقبل القسمة بناتج صحيح إلا على الرقم ( 23 ) من بين الأرقام (19، 21، 23، 25، 27، 29 ) والتي تمثل الليالي الوتر في العشر الأواخر.
18. من المعروف أن القرآن نزل منجماً وعلى مدار ثلاث وعشرين سنة ثم أنزل دفعة واحدة في السنة الثالثة والعشرين في ليلة القدر فكانت ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان بمثابة عيد ميلاد القرآن الكريم.
19. عدد الآيات = 5 ، ومضروب العدد 5 هو :
1 × 2 × 3 × 4 × 5 = 120 فإذا طرحنا منه رقم السورة سنحصل على رقم الليلة وكما يلي:
120 - 97 = 23
تنبيـه مهم
1. في حالة حساب عدد الكلمات لسورة القدر مع البسملة وهي جزء من السورة فلا يكون ترتيب كلمة (هي) سبع وعشرين وفي حالة التنزل واستثناء البسملة من العد فان كلمتي (ليلة القدر) وهي الرابعة والخامسة أبلغ وأصرح في التعبير من كلمة (هي)، وعليه فلا يمكن الجزم بما نُقل عن ابن عباس من أن الليلة هي السابعة والعشرين بناءاً على تسلسل كلمة (هي) في السورة بعد حذف البسملة علماً أننا نقلنا رواية أخرى لابن عباس يشير فيها إلى الليلة الثالثة والعشرين (راجع البحث الروائي في كتابنا الذرية الخاتمة).
2. جاء في تفسير نور الثقلين للشيخ الحويزي ج5 ص627 في رواية عن أبي عبد الله عليه السلام قال : (في تسعة عشر من شهر رمضان التقدير ، وفى ليلة إحدى وعشرين القضاء ، وفى ليلة ثلاث وعشرين ابرام ما يكون في السنة إلى مثلها لله جل ثناؤه وسيفعل ما يشاء في خلقه) . عليه فإن قيام العشر الأواخر لايترك وخاصة في هذه الليالي الثلاث.
من فوائد هذا الإعجاز العددي في القران الكريم:
1. يعتبر أول بحث في الفكر الإسلامي تم فيه تحديد هذه الليلة بأدلة رياضية لاتقبل الشك.
2. يعتبر هذا البحث حلاً ينهي الإختلاف الحاصل في تحديد هذه الليلة المباركة.
3. يبين هذا البحث ما أكدته روايات أهل البيت (ع) وفي هذا ترجيح لكفة هذه الروايات وبالتالي نصر لهذه الروايات الشريفة.
4. يبين هذا البحث ان التعبير الشريف (خير من الف شهر) هو تعبير حقيقي ليس المراد منه المبالغة والكثرة.
5. يبين هذا البحث أن القران من لدن عليم خبير وأن الإعجاز العددي حقيقة قائمة.
وفي الختام لا تحرمونا من صالح أدعيتكم في هذه الليلة المباركة فيما لو أدركتموها إن شاء الله تعالى.
الكوثر والساقي والذبح العظيم ج3
المهندس هادي جساس الذهبي
بغداد - 2011
فــــصل لــــربك وانـــــحر
من المعلوم أنّ كل نعمة من نعم الله تعالى تستدعي منا أنْ نحمد الله ونشكره وهذا جزء من أداء حق المعطي وحفظ النعم فبالشكر تدوم النعم و(لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ) ، ومن هنا جاءت الآية الكريمة: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ) تعبيراً عن الإمتنان والشكر الأمثل، وقد ذكر المفسرون أقوالاً عدة في معنى النحر:
1. روي عن الإمام علي(ع) أنه قال: لما نزلتْ هذه السورة على النبي(ص) ( إِنَّآ أَعۡطَيۡنَٰكَ ٱلۡكَوۡثَرَ ) قال النبي(ص) لجبريل: ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟ قال: إنها ليست بنحيرة ولكن يأمرك إذا تحرّمتَ للصلاة أن ترفع يديك إذا كبّرتَ وإذا ركعتَ وإذا رفعتَ رأسك من الركوع ...) .
2. (فصل لربك فدم على الصلاة وانحر وفي المجمع عن الصادق(ع) هو رفع يديك حذاء وجهك وفي رواية فقال بيده هكذا يعني استقبل بيده حذاء وجهه القبلة في افتتاح الصلاة) .
3. وفي الكافي عن الباقر(ع) أنّه سُئل عنه فقال النحر الاعتدال في القيام أن يقيم صلبه ونحره. أقول: وفي تفسير العامة إنّ المراد بالصلاة صلاة العيد وبالنحر نحر الهدي والأضحية) .
4. ذكر السيد أبو القاسم الخوئي (قده) في معنى النحر بأنّه: ( النحر بمنى ، أو نحر الأضحية في الأضحى ، أو رفع اليدين إلى النحر في تكبير الصلاة ، أو استقبال القبلة بالنحر ، والاعتدال في القيام ، وجميع ذلك يناسب المقام لأنه نحو من الشكر لتلك النعم) .
5. ذكر السيد الشهيد محمد الصدر في جوابه عن معنى النحر مانصه: (أقول: والذي أفهمه أمران:
الأمر الأول: وهو الأمر الظاهر: فالمطلوب هو الصلاة والنحر. وذلك لا يختص بالعيد بل هو ممكن في سبيل الله في سائر أيام السنة. كما إنّه لا يختص بالبدن . وإنْ أختص بالنحر (والنحر لا يكون إلا للجمال) ولكن يمكن التجريد عن الخصوصية لكل ذبح وجريان دم، او لكل صدقة على المحتاجين. والصدقات له سبحانه، وهو يقبضها ... وإن فهمنا من قوله: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ): رفع اليد في الصلاة أو رفع الجسم بعد الركوع، فهذا وان كان موافقاً مع الصلاة، إلا أنّ فيه أخذُ الآية مستقلةً عن السورة، وهو باطل جزماً. اذ لا يكون لذكرها وجه معتّد به. لأنّ شكر النعمة لا يكون بذلك (أي بحركة اليد أو رفع الجسم). أو أنه أقل من ان يكون بمنزلة الشكر. بخلاف ما اذا كان يراد بالنحر: نحر البدن او نحوها او يُراد به نحر الباطل في النفس أو في الغير. والله سبحانه يُرشدنا الى الشكر الأمثل من الشكر على إعطاء الكوثر، بطبيعة الحال. لا إلى صورة ضئيلة منه) .
6. النحر في التفسير المشهور هو نحر الذبيحة، لأنّ الذبيحة واجبة في عيد الأضحى للحجّاج، ومستحبة لكل شخص يصلّي صلاة العيد، فيكون المعنى: قدّم قرباناً وذبيحة إعلاناً بأنّك لا تبالي بنفسك، فتستسلم أمام الله بالصلاة، وقد نُقل في بعض الكتب عن الإمام علي(ع) أنه قال: ضع يدك عند نحرك في الصلاة، ولكن أعتقد أنّ هذا الحديث غير صحيح، و من الناحية اللغوية،إذا أردنا أن نقول: ضع يديك قرب نحرك فيجب أن نقول: تنحّر وليس إنحر .
وفديـــــــــناه بذبــــح عــــــظيم
يقول الله تعالى في كتابه العزيز: (فَلَمَّآ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِينِ ١٠٣ وَنَٰدَيۡنَٰهُ أَن يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ ١٠٤
قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٠٥ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡبَلَٰٓؤُاْ ٱلۡمُبِينُ ١٠٦ وَفَدَيۡنَٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِيمٖ ١٠٧ وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١٠٨) ، تحكي هذه الآيات المباركة قصة الذبيح وهي أشهر من أن نخوض في تفاصيلها، وقد شرع إبراهيم(ع) بالتنفيذ مع مايكتنف هذا الأمر من بلاءٍ وُصف بالمبين: (إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡبَلَٰٓؤُاْ ٱلۡمُبِينُ)، لهذا كان أوّل المسلمين زمنياً كما في قوله تعالى: (وَأُمِرۡتُ لِأَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٢) فهو اول من حظى بأعلى مراتب الإيمان، وقد فدى الله تعالى اسماعيل(ع) بذبح عظيم، وجاء في معنى فداه : أعطى فداءً فأنقذه، و فداه بنفسه (وفداه تفديةً) قال له: جُعلتَ فداك.
والسؤال الملح هنا هو ماوجه التميز في هذا الفداء كي يصفه الله عز وجل بالعظيم ؟
(عن الإمام الرضا(ع) قال: لما أمر الله تبارك وتعالى ابراهيم(ع) أنْ يذبح مكان ابنه إسماعيل الكبش الذي أنزله عليه تمنّى إبراهيم(ع) أن يكون قد ذبح ابنه إسماعيل(ع) بيده وأنّه لم يؤمر بذبح الكبش مكانه ليرجع إلى قلبه ما يرجع إلى قلب الوالد الذى يذبح أعزّ ولده بيده فيستحق بذلك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب فأوحى الله عزّ وجل إليه: يا إبراهيم منْ أحب خلقي إليك ؟ فقال: يا رب ما خلقتَ خلقاً هو أحب إلى من حبيبك محمد(ص). فأوحى الله عز وجل إليه: يا إبراهيم أفهو أحب إليك أم نفسك ؟ قال: بل هو أحب إليّ من نفسي قال: فولده أحب إليك أو ولدك، قال بل ولده، قال: فذبح ولده ظلماً على ايدى أعدائه أوجع لقلبك أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي، قال: يا رب بل ذبحه على أيدى أعدائه أوجع لقلبي، قال: يا إبراهيم فإنّ طائفة تزعم أنّها من أمة محمد(ص) ستقتل الحسين(ع) ابنه من بعده ظلما وعدواناً كما يُذبح الكبش فيستوجبون بذلك سخطي . فجزع إبراهيم(ع) لذلك وتوجّع قلبه وأقبل يبكي، فأوحى الله عزّ وجل إليه: يا إبراهيم قد فديّتُ جزعك على ابنك إسماعيل لو ذبحته بيدك، بجزعك على الحسين(ع) وقتله، وأوجبتُ لك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب، وذلك قول الله عز وجل: (وَفَدَيۡنَٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِيمٖ ١٠٧)) .
فاذا تبيّن لك ذلك عرفتَ وجه العظمة والتضحية في هذا الفداء والقربان ، إذْ مثّله الإمام الحسين(ع) أجلى تمثيل فكان المصداق الحق للآية الكريمة: (وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١٠٨) فأحيّى بذلك ذكر إبراهيم وإسماعيل بالذكر الجميل والحسن ولاغرو فهو من بقية تلك الذرِّيّة التي جاء ذكرها على لسان ابراهيم(ع): (رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفِۡٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ ٣٧) ، كما بيّنت الروايات الشريفة ذلك مفصّلاً، حيث تعرّض الإمام الحسين(ع) الى صنوف الابتلاءات والمحن ازاء دعوته الى الإصلاح في أمة جده رسول الله(ص)، ورفع راية الدين القيّم، ملة أبيه إبراهيم(ع). فكأن الدين ينادي من أنصاري الى الله؟ ويأتي الجواب من الحسين(ع) نحن أنصار الله، ومن قبله جاء النداء من أبيه علي(ع) في مسجد الكوفة المبارك، ومن الحسن(ع) في المدينة االمنورة، ويمكن القول إنّ الأئمة الإثني عشر(ع) هم من لبّى النداء وهم أنصار الله فـ (مامنا إلا مقتول أو مسموم) . فكان هذا الذبح العظيم هو الفداء العظيم لهذا الدين العظيم كي يستمد بقاءه واستمراريته حتى ورود الحوض، ومن هنا يمكن أن نفهم معنى الحديث الشريف: (حسين مني وأنا من حسين) بل و (الأئمة مني وأنا منهم) ، فالإسلام محمدي الوجود حسيني البقاء. والآيات الشريفة يدل بعضها على بعض فيقودنا معنى الآية الأخيرة ورقمها (وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١٠٨) في مشهد تقديم القربان الى سورة الكوثر المباركة والتي ترتيبها بنفس الرقم أي 108 وبذا يمكن أن نستشف أنّ أمر النحر الموجه الى الرسول(ص) هو أسوة بالأمر الذي صدر الى إبراهيم(ع) في أنْ يذبح إبنه اسماعيل(ع) وهو شبيه بالأمر الذي ألزم عبد المطلب به نفسه، حيث كان الفداء الحقيقي على يد الرسول الخاتم(ص) في ابنه الحسين(ع)، فبعد أنْ طلب ابراهيم(ع) الولد الصالح: (رَبِّ هَبۡ لِي مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٠٠) منّ الله تعالى عليه:(فَبَشَّرۡنَٰهُ بِغُلَٰمٍ حَلِيمٖ ١٠١) وهو اسماعيل(ع) ثم ابتلاه الله عزّ وجل بذبحه، وكذلك الحال مع عبد المطلب، فبعد أنْ عاهد الله تعالى أنْ إذا رزقه بعشرة أولاد فسيذبح أحدهم فلما رزق، أسهم بينهم فخرج سهم عبد الله أبي رسول الله(ص) وهو أحبّهم الى قلبه، و كذا الحال مع الرسول(ص) فبعد أنْ تألّم من تشفي الشانيء له بعد دفن ولده القاسم ، منّ الله عليه بأنْ أعطاه الكوثر وهم الأئمة الإثني عشر(ع) فهم كوثر الحياة الدنيا المستمر حتى ورود الحوض ، ثم إبتلاه بأنْ أعلمه بأنّهم بين مقتولٍ ومسمومٍ على أيدي أعدائهم، فأمرُ النحر هنا تحصيل حاصل بأن هذه الذرية الخاتمة ستُنحر كونها تمثل أحد طرفي الدين القيم إذْ هم الثقل الأصغر ولسان حال أمة الإسلام يقول: ( أما الأكبر: ففرّقناه ومزّقناه وبرئنا منه، وأما الأصغر: فقاتلناه و قتلناه) ، فتفسير الآية على ظاهرها في قصة ذبح إسماعيل(ع) وفداء الله له بكبش عظيم لا ينافي كون هذا الذبح العظيم قد تجسّد في تضحية الإمام الحسين(ع) وفدائه بنفسه وأهله لتثبيت هذا الدين الحنيف وحفظه من تحريف الطغاة وكيدالظالمين. فالإمام الحسين(ع) هو قربان حفظ الدين في صراطه المستقيم، وكأني بالعقيلة زينب(ع) تشير الى هذه المعاني الجليلة بعد استشهاد أخيها الحسين(ع) لمّا وضعتْ يديها تحته وهومسجى على أرض الطف، ورمقتْ السماء بطرفها، وقالت كلمتها الخالدة: (اللّهمّ تقبّل منّا هذا القربان) .ألا ساعد الله قلبك ياسيدي يارسول الله على هذا البلاء المبين.
وسيتضح الأمر أكثر فيما لو تأملنا في قول رسول الله(ص) لعلي(ع): (من أشقى الأولين؟ قال: عاقر الناقة، قال: فمن أشقى الآخرين؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: قاتلك) فكان علي(ع) كثيرا ما يقول: (ما يمنع أشقاها، أو ما ينتظر أشقاها، أنْ يخضب هذه من دم هذا؟ و يقول: والله لتخضبن هذه من دم هذا، ويشير إلى لحيته ورأسه، خضاب دم، لا خضاب عطر ولا عبير) ، حيث شبّه الإمام علي(ع) نفسه بناقة صالح(ع) من حيث أنّها آية الله وأنّ عقرها على يد أشقى الأولين. وكذا قول الإمام الحسين(ع) يوم الطف يوم ذُبح طفله عبد الله الرضيع بين يديه: (اللهم لا يكون أهون عليك من فصيل ناقة صالح)، فقد شبّه نفسه أيضاً بناقة صالح(ع)، وقد علمتَ أنّ النحر هو ذبح الناقة وهو يحتاج الى إيثار كبير، لما للإبل من مكانة وأهمية كبيرة عند العرب، وبذا يتبين لنا مصداق أمر النحر الموجه الى الرسول الأكرم(ص).
ومن نافلة القول هنا أنْ نذكر قول رسول الله(ص): (أنا ابن الذبيحين) ، فقد سُئل الإمام الرضا(ع)عن معنى هذا الحديث فقال: (يعني إسماعيل بن إبراهيم الخليل، وعبدالله بن عبدالمطلب أما إسماعيل فهو الغلام الحليم الذي بشّرالله به إبراهيم: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ) ولم يقل له يا أبت افعل ما رأيت، (سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ١٠٢) ... وأما الآخر فإنّ عبد المطلب كان تعلق بحلقة باب الكعبة ودعا الله عزّ وجل أنْ يرزقه عشرة بنين ونذر لله عزّ وجل، أنْ يذبح واحداً منهم متى أجاب الله دعوته فلما بلغوا عشرة أولاد قال: قد وفى الله لي فلأفيّن لله عزّ وجل فأدخل ولده الكعبة وأسهم بينهم فخرج سهم عبد الله أبي رسول الله(ص) وكان أحب ولده إليه ثم أجالها ثانية فخرج سهم عبد الله ثم أجالها ثالثة فخرج سهم عبد الله فأخذه وحبسه وعزم على ذبحه فاجتمعتْ قريش ومنعته من ذلك واجتمع نساء عبد المطلب يبكين ويصحن فقالتْ له ابنته عاتكة: يا أبتاه أعذر فيما بينك وبين الله عزّ وجل في قتل ابنك: قال: فكيف أعذر يا بنية فإنك مباركة قالتْ: إعمد إلى تلك السوائم التي لك في الحرم فاضرب بالقداح على ابنك وعلى الإبل وأعطِ ربك حتى يرضى.
فبعث عبد المطلب إلى إبله فأحضرها وعزل منها عشرا وضرب السهام فخرج سهم عبد الله فما زال يزيد عشراً عشراً حتى بلغت مائة فضرب فخرج السهم على الإبل فكبّرت قريش تكبيرة ارتّجت لها جبال تهامة فقال عبد المطلب لا حتى أضرب بالقداح ثلاث مرات فضرب ثلاثاً كل ذلك يخرج السهم على الإبل فلما كان في الثالث إجتذبه الزبير وأبو طالب وإخوانه من تحت رجليه . والعلّة التي من أجلها رفع الله عزّ وجل الذبح عن إسماعيل(ع) هي العلّة التي من أجلها رفع الذبح عن عبد الله وهي كون النبي(ص) والأئمة(ع) في صلبهما فببركة النبي والأئمة صلوات الله عليهم أجمعين رفع الله الذبح عنهما فلم تجرِ السنّة في الناس بقتل أولادهم ولولا ذلك لوجب على الناس كل أضحى التقرب إلى الله تعالى ذكره بقتل أولادهم وكل ما يتقرب الناس به إلى الله عزّ وجل من أضحية فهو فداء لإسماعيل إلى يوم القيامة) .
تأريـــــــــخ واقـــعة الـــــــــــــطف
بعد أنْ عرفنا أنّ النحر في سورة الكوثر له علاقة بنحر الحسين(ع) يمكن القول أن عدد حروف السورة المباركة وهو 61 فيه اشارة الى سنة حدوث هذه الفاجعة وأنّ عدد كلماتها وهو10 فيه اشارة الى يوم عاشوراء الأليم وهو العاشر من محرم وهذه من عجائب الأمور إذْ توحي هذه الإشارات العددية الى أنّ هذه الواقعة قد أُرخ لها قرانياً وفي سورة إشترك في معناها الماء والذرية المباركة، في مشهد عظيم حيث الشهيد الذي لم يُسقَ الماء ونحر عطشاناً وهذا أعظم معنى للشكر على نعمة الكوثر إذ قُدِّم أبو الائمة التسعة قرباناً في قبال عطاء الذرية ونُحر عطشاناً في قبال حوض الكوثر الذي إذا شرب منه أحد شربة لم يظمأ بعدها أبداً . ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم.
وتفكرْ في العلاقة بين الرقم (10) ومسألة النحر والقربان في سورة الكوثر من خلال هذه الرواية الشريفة، عن رسول الله(ص) قال: (منْ قرأ هذه السورة (يعني الكوثر) سقاه الله تعالى من نهر الكوثر، ومن كل نهر في الجنة وكتب له عشر حسنات بعدد كلّ من قرّب قرباناً من الناس يوم النحر) . ولايغيب عنا أنّ نحر الأضاحي يكون في العاشر من ذي الحجة الشهر الحرام وهنا كان في العاشر من محرم الحرام.
إشـــــــــــارات عــــــــــددية
هنالك مجموعة من النكات العددية المتعلقة بموضوع البحث ندرجها فيما يأتي:
1. عدد حروف السورة المباركة من غير البسملة = 42 = عدد حروف الأئمة الإثني عشر الذين يمثلون الكوثر.
2. عدد كلمات السورة من غير البسملة = 10 وفيه إشارة الى يوم حدوث النحر والفداء بالذبح العظيم وهو يوم عاشوراء من شهر محرم الحرام.
3. عدد حروف السورة كاملة مع البسملة = 61 وفيه إشارة الى سنة حدوث النحر والفداء بالذبح العظيم.
4. ورود (وليال عشر) في سورة الكوثر = 42 بعدد حروف الأئمة الإثني عشر(ع).
5. ورود التعبير الشريف (كرام برره) في سورة الكوثر = 42 بعدد حروف الأئمة الإثني عشر(ع).
6. الآية الشريفة: (وَفَدَيۡنَٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِيمٖ) مؤلفة من 12 حرفاً غير مكررة.
7. ورود (الحسين) في الآية الشريفة: (وَفَدَيۡنَٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِيمٖ) وكذلك ورود اسمعيل فيها = 4
8. ورود الآية الشريفة: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ) في سورة الكوثر المباركة = 61 فسبحان الله ! فهذه اشارة دقيقة الى أن النحر قد حصل بهذا التأريخ.
9. الآية الكريمة رقم 108 من سورة الصافات ذات الترتيب 37: (وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ) فيها مايلي:
أ. مؤلفة من 12 حرفاً غير مكررة.
ب. قيمة الحساب التكراري لها = 123 و عند تجزئة هذا الرقم سينتج مايلي: (61 +1 + 61) فهل في هذا اشارة الى الشهر والسنة التي حدثت فيها واقعة الطف، باعتبار هذا الأمر في الآخرين ومن هم خير الآخرين غير الإثني عشر(ع) و لاننسى أنّ الآية مكونة من 12 حرفاً غير مكررة ؟ ! .
ج. ورود لفظة (الحسين) فيها = 10 وكذلك ورود (عاشوراء) فيها = 10
د. ورود الآية الشريفة: ( وَفَدَيۡنَٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِيمٖ ) فيها = 12 وهي مؤلفة من 12 حرفاً غير مكررة، كما مر آنفاً.
10. الفرق بين ترتيب سورة الكوثر 108 وترتيب سورة الصافات 37 = 71 وهذا الرقم هو 10 + 61 فكأنما الفترة الزمنية من صدور الأمر بالذبح والفداء العظيم والترك في الآخرين الذي ذكر في سورة الصافات الى زمن نزول سورة الكوثر والأمر بالنحر، كأنما استبطنت الإشارة الى تأريخ هذه الواقعة الأليمة، علماً أنّ قيمة التعبير الشريف: (أهل البيت) (ع) بالحساب التكراري = 37 = ترتيب سورة الصافات!.
11. ورود كلمة (كربلاء) في سورة الكوثر = ورود (الحسين) في سورة الكوثر = 33 وفيه اشارة الى آية التطهير ذات الرقم33 في سورة الأحزاب ذات الترتيب 33.
12. ورود الآية: (يَوۡمَ يُكۡشَفُ عَن سَاقٖ وَيُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ) في الآية: (إِنَّآ أَعۡطَيۡنَٰكَ ٱلۡكَوۡثَرَ) = 42 = عدد حروف الأئمة الإثني عشر(ع). فكأنما الآية الشريفة استبطنت أسماء الأئمة الإثني عشر(ع) وهم السقاة والذادة على حوض الكوثر.
13.الفترة الزمنية منذ وفاة الرسول(ص) ولغاية استشهاد الإمام الحسين(ع) هي 114 سنة = عدد سور القرآن الكريم، فهل في هذا إشارة الى الإصلاح الذي قصده الإمام الحسين(ع) في أمة جده رسول الله(ص) ، ودفع كيد محرفي الكتاب ومحاربي عترة رسوله الأطياب.
14. ورود كلمة (علي) في سورة الكوثر = 12 وفي هذا إشارة الى قائد الإثني عشر ذرية الرسول(ص).
15. ورود كلمة (عترتي) في سورة الكوثر = 12 وهم عترة الرسول(ص) وهم السقاة والذادة على حوض الكوثر.
16. من اللطائف الملفتة للنظر، اشتراك حرف وحيد وهو حرف الـ (ح) في الكلمات الثلاث: (حسين)، (انحر) و (أذبحك). ولايغيب عن فكرك أنّ كلمة أذبحك وردتْ على لسان إبراهيم(ع) وهو يحاور إبنه إسماعيل: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ١٠٢) وأما كلمة إنحر فقد وردت في الآية الشريفة: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ) .
17. ورود سورة الكوثر في البسملة = 110 = قيمة حساب الجمّل لكلمة (علي) وقد يكون في هذا إشارة وتأكيد الى أنّ المقصود بالكوثر هم الأئمة الإثني عشر(ع) باعتبار أنّ الإمام علي(ع) هو أولهم وهو قائدهم، كما إنّ البسملة هي الصورة المركزة والمجملة لسورة الفاتحة والتي هي بدورها الصورة المركزة والمجملة للقرآن الكريم وهي أم الكتاب كما ورد في الروايات الشريفة . وقد يكون لها علاقة بتاريخ نحر الحسين(ع) إذْ أنّ الرقم 110 يشير الى 10/ 1 وهو تأريخ عاشوراء وشهر محرم الحرام في السنة الهجرية المصطلح عليها.
ملحـق البـحث
1. جدول حساب الجمَّل ـ الأبجد الكبير : الترتيب الأبجدي المستخدم في حساب الجُمَّل هو: (أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ) حيث تعطى لكل حرف قيمة عددية محددة وكما يلي:
أ1/ ب2/ ج3/ د4/ هـ5/ و6/ ز7/ ح8/ ط9/ي10/ ك20/ ل30/ م40/ ن50 /س 60/ ع70/ ف80/ ص90/ق100/ ر200/ ش300/ ت400/ ث500/ خ600/ ذ700/ ض800/ ظ900/ غ1000/
2. جدول الحساب التكراري: قمتُ بإعطاء قيم للحروف حسب عدد مرات تكرارها في كتاب الله حيث تم إعطاء القيمة العددية (1) للحرف الأكثر تكراراً و القيمة (2) للحرف الذي يليه و هكذا حتى القيمة (28) للحرف الأقل تكراراً، وكما يلي:
أ1/ ب9/ ج19/ د16/ هـ7/ و6/ ز24/ ح18/ ط26/ ي5/ ك11/ ل2/ م4/ ن3/س15/ ع12/ ف13/ ص22/ ق14/ ر8/ ش21/ت10/ ث25/ خ20/ ذ17/ ض23/ ظ28/ غ27/
3. ورود الحروف: ونقصد به مجموع مرات ورود حروف كلمة أو تعبير من آية أو آية من سورة أو حديث أو جزء منه في نص ما قطعي الصدور، له علاقة ما بتلك الكلمة أو التعبير أو الآية أو الحديث، والنتيجة تكون منطقية باعتبار أن المجموع المستخرج يرتبط بعلاقة ما مع النص المستخرج منه، وقد أتتْ هذه العملية الإحصائية أُكلُها استقرائياً، وكما مبين في المثال الآتي:
عدد مرات ورود أحرف التعبير الشريف (ليلة القدر) في الآية: (انا انزلنه في ليله القدر) = 23 وكما مبين فيما يلي:
تقسيم حروف الآية (انا انزلنه في ليله القدر)
أ = 4 /د = 1/ ر = 1/ ز = 1/ ف = 1/
ق = 1/ ل = 4/ ن = 3/ هـ = 2/ ي = 2/
مجموع أحرف التعبير الشريف (ليلة القدر) من الجدول السابق = 23 وكما يلي :
ليلة القدر = ل4/ ي2/ ل4/ هـ2/ أ4/ ل4/ ق1/ د1/ ر1/
المجموع = 23
الكوثر والساقي والذبح العظيم ج2
المهندس هادي جساس الذهبي
بغداد - 2011
الرسول(ص) وذريته (ع) على الحوض
تشير الروايات الشريفة الى أنّ منازل الرسول(ص) وأهل البيت(ع) على الحوض، وكلٌ له عمل معين هناك، فالحوض أشبه بدار استقبال، فيها فريق عمل متكامل، تؤهل المؤمنين لدخول الجنة:
1. عن الإمام علي(ع) قال: قال رسول الله(ص): أراني جبرئيل منازلي ومنازل أهل بيتي على الكوثر .
2. قال رسول الله(ص): (أنا واردكم على الحوض وأنت يا علي الساقي والحسن الذايد والحسين الامر وعلي بن الحسين الفارض ومحمد بن علي الناشر وجعفر بن محمد السايق وموسى بن جعفر محصي المحبين والمبغضين وقامع المنافقين وعلي بن موسى معين المؤمنين ومحمد بن علي منزل أهل الجنة في جناتهم وعلي بن محمد خطيب شيعته ومزوجهم الحور العين والحسن ابن علي سراج أهل الجنة يستضيئون به والهادي شفيعهم يوم القيامة حيث لا يأذن إلا لمن يشاء ويرضى) .
3.عن أمير المؤمنين(ع) قال: قال رسول الله(ص): (يا علي أنت أخي ووزيري، وصاحب لوائي في الدنيا والآخرة، وأنت صاحب حوضي، من أحبك أحبني ومن أبغضك أبغضني) .
4. عن الإمام علي(ع) قال: قال رسول الله(ص): (... يا علي هذا النهر لي ولك ولمحبيك من بعدى) .
5. عن الإمام علي(ع) قال: (أنا مع رسول الله(ص) ومعي عترتي وسبطايَ على الحوض...) .
الذائد عن الحوض
صرحتْ الكثير من الأحاديث بأن الذادة عن حوض النبي(ص) هم أهل البيت(ع):
1.عن علي(ع) قال: (أنا مع رسول الله(ص) ومعي عترتي وسبطايَ على الحوض، فمن أرادنا فليأخذ بقولنا وليعمل عملنا، فإنّ لكل أهل بيت نجيب. ولنا شفاعة ولأهل مودتنا شفاعة، فتنافسوا في لقائنا على الحوض، فإنا نذود عنه أعداءنا ونسقي منه أحباءنا وأولياءنا ...) .
2. عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي(ص): يا علي معك يوم القيامة عصا من عصي الجنة، تذود بها المنافقين عن الحوض) .
3. عن علي بن أبي طلحة قال: (حججنا فمررنا على الحسن بن علي(ع) بالمدينة، ومعنا معاوية بن حديج، فقيل للحسن(ع): إن هذا معاوية بن حديج الساب لعلي(ع)، فقال عليّ به، فأُتي به فقال: أنت الساب لعلي(ع) ؟! فقال: ما فعلت! فقال: والله إن لقيته، وما أحسبك تلقاه يوم القيامة، لتجده قائماً على حوض رسول الله(ص) يذود عنه رايات المنافقين، بيده عصاً من عوسج! حدثنيها الصادق المصدوق، وقد خاب من افترى) . وفي رواية أبي يعلى: (لتجدنه مشمر الإزار على ساق يذود عنه رايات المنافقين ذود غريبة الإبل) . وفي رواية أخرى: (قال: يا معاوية بن حديج إياك وبغضنا فإن رسول الله(ص) قال: لايبغضنا ولايحسدنا أحدٌ إلا ذيد عن الحوض يوم القيامة بسياط من نار) 4. قال أمير المؤمنين(ع): (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لأقمعن بيدي هاتين من الحوض أعدائنا إذا وردته أحباؤنا) . وروى عن النبي(ص) أيضاً قوله لعلي(ع): (... ترد على الحوض وشيعتك رواء مرويين ويرد عليك أعداؤك ظمأ مقحمين وتذود عنه من ليس من شيعتك) .
ساقي الكوثر
وردتْ الكثير من الأحاديث التي تشير الى أنّ السقاة على حوض الكوثر هم أهل البيت(ع):
1. عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله(ص): أعطيتُ في علي خمساً هن أحب إليّ من الدنيا وما فيها: ... وأما الثالثة: فواقفٌ على عقر حوضي يسقي من عرف من أمتي) .
2. جاء في زيارة أمير المؤمنين(ع): (السلام على ميزان الأعمال ومقلب الأحوال وسيف ذي الجلال، وساقي سلسبيل الزلال . وأيضا في زيارته الأخرى: (...الشديد البأس، العظيم المراس، المكين الأساس، ساقي المؤمنين بالكاس، من حوض الرسول المكين الأمين) . والاخبار في ذلك قد بلغت حد التواتر من رواة الشيعة والسنة.
حديث الحوض أو الإنقلاب والإرتداد
قال الله سبحانه وتعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ
ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡٔٗاۗ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ١٤٤) . تخبر الآية الكريمة عن إنقلاب وردة تحدث بعد رحيل الرسول الأكرم(ص)، وقد جاءتْ الكثير من الأحاديث الشريفة لتبين هذه المسألة على القطع واليقين، في أنّ الكثير من أصحاب وأمة الرسول الأكرم(ص) ستنقلب على الأعقاب ومنها حديث الإنقلاب أو الحوض بصيغه المتعددة:
1. عن أسماء عن النبي(ص): قال: (أنا على حوضي أنتظر من يرد علي، فيؤخذ بناس من دوني فأقول أمتي ! فيقول: لا تدري مشوا على القهقرى) .
2. عن ابن المسيب أن النبي(ص) قال: (يرد على الحوض رجال من أصحابي فيحلؤون عنه! فأقول: يا رب أصحابي؟! فيقول: فإنه لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أعقابهم القهقرى) .
3. عن أنس بن مالك عن النبي(ص) قال: (...أتدرون مالكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم: قال: فإنه نهر وعدنيه ربى عز وجل عليه خير كثير، هو حوض ترد أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم فأقول: ربِّ إنه من أمتي، فيقول: ماتدري ما أحدثت بعدك) .
4. عن أبي هريره أنّ النبي(ص) قال: لأذودن عن حوضي رجالاً كما تذاد الغريبة من الإبل .
5. عن عائشة قالت: سمعت رسول الله(ص) يقول وهو بين ظهراني أصحابه: (إني على الحوض أنتظر من يرد على منكم، فوالله ليقتطعن دوني رجال، فلأقولن أي رب مني ومن أمتي، فيقول إنك لا تدري ما عملوا بعدك ما زالوا يرجعون على أعقابهم) والاقتطاع: (أخذ طائفة من الشئ، تقول: اقتطعت طائفة من أصحابه: إذا أخذتهم دونه) .
6. عن أمير المؤمنين(ع) قال: قال رسول الله(ص) ليجيئن قوم من أصحابي من أهل العلية والمكانة منى ليمروا على الصراط، فإذا رأيتهم ورأوني، وعرفتهم وعرفوني، اختلجوا دوني، فأقول: أي رب أصحابي أصحابي، فيقال: ما تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم حيث فارقتهم، فأقول: بعدا وسحقاً) . (وأصل الخلج: الجذب والنزع، ومنه الحديث ليردن على الحوض أقوام ثم ليختلجن دوني أي يجتذبون ويقتطعون) . وفي رواية أخرى: (يرد على يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلؤن عن الحوض، فأقول يا رب أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا علم لك بما أحدثوا : ارتدوا على أدبارهم القهقهرى ...) . (ويحلؤن عن الحوض: أي يصدون عنه ويمنعون من وروده) . وقد اهتم ابن حجر بحكم أحواض الإبل التي في الحديث فقال: وقوله لأذودن: أي لأطردن، ومناسبته الترجمة من ذكره(ص) أنّ صاحب الحوض يطرد إبل غيره عن حوضه، ولم ينكر ذلك، فيدل على الجواز .
التعارض بين أحاديث الحوض وتفسير الآية السياقي
قد يبدو لأول وهلة أن هناك تعارضاً بين معنى السورة بلحاظ ذيلها: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلۡأَبۡتَرُ) حيث تشير الى أن الكوثر هو الذرية التي هي في قبال الأبتر وهو المنقطع النسب، وبين التفسير الروائي الذي يبيِّن أنّ الكوثر هو حوض أُعطيه الرسول الأكرم(ص). وحل الإشكال يكمن في دمج هذين التفسيرين إذْ أنّ الحوض الذي أُعطيه الرسول(ص) هو حوض معد لإستقبال المؤمنين وسقيهم بل وضيافتهم وتهيئتهم لدخول الجنة، وفي نفس الوقت فهو محطة تفتيش يُرصد فيها المنافقين بعلامات تبدو عليهم فيتم ذودهم وطردهم الى ذات الشمال أي الى النار، وهذا الكادر الرباني المتكامل الذي يقوم بهذه المهمّات هم أهل بيت النبي الأكرم(ص)، إذاً فلا تنافي بين الروايات التي استفاضت في تفسير الكوثر بالحوض وبين تفسير الآية السياقي الذي يذهب الى تفسير الكوثر بذرية الرسول الأكرم(ص) فيكون الكوثر حوض وعليه الذرية المباركة وكما مر علينا في روايات السقاة والذادة آنفاً ، على إنّ هذه الإلتفاتة لم ترد في أيٍ من كتب التفسير المعروفة حسب تتبعي .
الكوثر والساقي والذبح العظيم ج1
بغداد - 2011
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
إِنَّآ أَعۡطَيۡنَٰكَ ٱلۡكَوۡثَرَ ١ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ ٢
إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلۡأَبۡتَرُ ٣
ليس القصد من هذا البحث التفسيري تكرار وإعادة ماذكره المفسرون وليس القصد منه أن يُدرج في حقل البحوث التفسيرية التقليدية ، إنما قُصد به إنتاج بعض الأفكار والإثارات الجديدة ، مع عرض بعض الظواهر العددية ضمن مايعرف بالإعجاز العددي القرآني، فالقرآن "لاتفنى عجائبه ولاتنقضي غرائبه" .
تفسير السورة
سورة الكوثر المباركة هي السورة ذات الترتيب 108 في ترتيب سور القران الكريم وهي أقصر سور القرآن لا بعدد الآيات فحسب، بل بعدد الكلمات والحروف أيضاً، وقد اختلفت الروايات في كون السورة مكية أو مدنية، و(الظاهر أنها مكية) ، وذكر بعضهم أنها نزلت مرتين جمعا بين الروايات ، عدد آياتها ثلاث بالاجماع، وكلماتها عشر من غير البسملة، وحروفها اثنان وأربعون حرفاً من غير البسملة ، برسم المصحف العثماني.
خاطب الله سبحانه نبيه(ص) على وجه الإمتنان والتسلية لنفسه الشريفة والإنتصار له بأن مبغضه هو المنقطع النسل. وقد أُختلف في معنى الكوثر الى أقوال كثيرة، ولاتعدو هذه الأقوال غالباً كونها مصاديق لمعنى الكوثر الواسع وهو(الشئ الذي من شأنه الكثرة، وهو الخير الكثير) ومنها:
1. نهر في الجنة أعطاه الله الرسول(ص) عوضاً عن ابنه إبراهيم (ع).
وقال أنس: (بينا رسول الله(ص) ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى اغفاءة ثم رفع رأسه متبسما فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلتْ عليّ آنفا سورة فقرأ {سورة الكوثر}، ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل عليه خير كثير...) .
2. حوض النبي(ص) الذي يكثر الناس عليه يوم القيامة .
3. (ومن استعمال ظاهر اللسان العربي تفسير " الكوثر" بأنه الذرية الكثيرة . في قوله تعالى: (إِنَّآ أَعۡطَيۡنَٰكَ ٱلۡكَوۡثَرَ) . فهي صيغة مبالغة من الكثرة ( فوعل ) يؤيد ذلك الآية التي تجئ فيما بعد (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلۡأَبۡتَرُ) والأبتر من لا عقب له. وبهذا ساغ تفسير الشيعة بأن الكوثر هو الذرية. وقد رزق الله النبي الذرية الكثيرة من فاطمة. فهي الكوثر المقصود. والآخرون يقولون إن الكوثر نهر في الجنة. وغيرهم يؤولونه بأنه النبوة) .
4. جاء في تفسير الميزان: (إنّ كثرة ذريته(ص) هي المرادة وحدها بالكوثر الذي أعطيه النبي(ص) أو المراد بها الخير الكثير وكثرة الذرية مرادة في ضمن الخير الكثير ولولا ذلك لكان تحقيق الكلام بقوله: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلۡأَبۡتَرُ) خاليا عن الفائدة . وقد استفاضت الروايات أن السورة إنما نزلت فيمن عابه(ص) بالبتر بعد ما مات ابناه القاسم وعبد الله ، وبذلك يندفع ما قيل: ان مراد الشانئ بقوله: (أبتر) المنقطع عن قومه أو المنقطع عن الخير فرد الله عليه بأنه هو المنقطع من كل خير) .
وهناك الكثير من الأقوال أعرضنا عن ذكرها روماً للإختصار.
سبب النزول
قال الراغب في المفردات : البتر يستعمل في قطع الذنب، ثم اجري قطع العقب مجراه، فقيل: ابتر، إذا لم يكن له عقب يخلفه .
و ورد في سبب نزول السورة المباركة: (أنّ النبي(ص) مرّ ـ وهو آتٍ من جنازة ولده القاسم ـ على العاص بن وائل، وابنه عمرو، فقال حين رأى رسول الله(ص): إني لأشنؤه. فقال العاص بن وائل: لا جَرَمَ لقد اصبح أبتر، وقد تألم الرسول(ص) حينما سمع هذا التشفّي، فأنزل الله سورة الكوثر على نبيه في هذه المناسبة) . و(الشانئ هو المبغض والأبتر من لا عقب له وهذا الشانئ هو العاص بن وائل. وقيل: المراد بالأبتر المنقطع عن الخير أو المنقطع عن قومه) .
الإعجاز في السورة
(إنّ كلام الله سبحانه تعالى لنبيه في هذه السورة كان قبل ظهور الخير الكثير. فهو إخبار بالمستقبل القريب والبعيد، إخبار إعجازي يشكل دليلا آخر على صدق دعوة الرسول الأعظم (ص)) . (وتتضمن في الواقع ثلاثة من أنباء الغيب والحديث عن المستقبل، فهي أولاً تتحدث عن إعطاء الخير الكثير للنبي(ص) (أعطيناك الكوثر) وهذا الفعل وإن جاء بصيغة الماضي، قد يعني المستقبل الحتمي الوقوع. وهذا الخير الكثير يشمل كل الانتصارات والنجاحات التي أحرزتها الدعوة الإسلامية فيما بعد. وهي ما كانت متوقعة عند نزول السورة في مكة. من جهة أخرى، السورة تخبر النبي(ص) بأنه سوف لا يبقى بدون عقب، بل إن ذريته ستنتشر في الآفاق. ومن جهة ثالثة، تخبر السورة بأن عدوه هو الأبتر، وهذه النبوءة تحققت أيضاً، فلا أثر لعدوه اليوم، بنو أمية وبنو العباس الذين عادوا النبي(ص) وأبناءه كانوا ذا نسل لا يحصى عدده ، ولم يبق اليوم منهم شئٌ يُذكر) .
حوض الكوثر
هو حوض أعطاه الله سبحانه وتعالى للرسول الأكرم(ص) ووجوده من الأمور المتواترة ولاخلاف فيها. قال الشيخ الصدوق رحمه الله: (إعتقادنا في الحوض أنه حق، وأن عرضه ما بين أيلة وصنعاء وهو حوض النبي(ص) ، وأن فيه من الأباريق عدد نجوم السماء، وأن الوالي عليه يوم القيامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) يسقي منه أولياءه، ويذود عنه أعداءه، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً) ، وقد ذُكر في الكثير من الأحاديث الشريفة أهمها حديث الثقلين وحديث الإرتداد أو الإنقلاب .
والحوض لغةً: مجتمع الماء، وجمعه أحواض وحياض وحيضان . وقد بينت الأحاديث الشريفة مجموعة من صفات هذا الحوض :
1. قواعده تحت عرش الله يجري من تحت العرش، وينصب فيه شعبتان من الجنة: إحداهما من تسنيم، والأخرى من معين.
2. عرضه كطوله فشهر عرضاً وشهر طولاً. عرضه ما بين صنعاء إلى بصرى أو مابين أيلة وصنعاء عرضه وطوله ما بين المشرق والمغرب.
3. ماؤه أبيض من اللبن، ماؤه أبيض من الورِق، أشد بياضا من الثلج.
4. وريحه أطيب من المسك.
5. ماؤه أحلى من العسل، وألين من الزبد، وأزكى من العنبر، وأصفى من الدمع.
6. كيزانه كنجوم السماء، ، فيه عدد الكواكب من قدحان الذهب والفضة.
7. حصاه الدر والزبرجد والمرجان، ترابه المسك الأذفر، حشيشه الزعفران.
8. لا يشرب منه أحد فيظمأ، ولا يتوضأ منه أحد فيشعث.
9. عمقه سبعون ألف فرسخ، شاطئاه الدر و الياقوت والزبرجد.
نهـــر الكـوثر
بيّنتْ الأحاديث الشريفة مجموعة من صفات هذا النهر:
1. نهر في السماء مجراه من تحت العرش، مخرجه من ساق العرش، نهر في الجنة.
2. حصباؤه الدر والزبرجد والمرجان ترابه المسك الأذفر.
3. عرضه وطوله ما بين المشرق والمغرب.
4. لا يشرب أحد منه فيظمأ ولا يتوضأ أحد منه فيشعث.
5. لا يشربه انسان أخفر ذمة الرسول(ص) وقتل أهل بيته(ع).
6. يذود علي عنه يوم القيامة من ليس من شيعته.
7. حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، حافتاه من ذهب.
8. مجراه الدّرّ والياقوت وتربته أطيب من المسك ، حشيشه الزعفران.
9. لونه أشد بياضا من اللبن، أبيض من الثلج.
10. ماؤه أحلى من العسل.
11. ملمسه ألين من الزبد.
12. فيه طيور خضر لها أعناق كأعناق البخت .
13.عليه ألف ألف قصر، لبنة من ذهب ولبنة من فضة، حشيشها الزعفران ورضراضها الدر والياقوت وأرضها المسك الأبيض.
نهر أم حوض؟
الروايات الواردة في هذا المجال تشير تارةً الى النهر وأخرى الى الحوض فهل المقصود بالكوثر في هذه الروايات النهر أم الحوض الذي أُعطيه النبي الأكرم(ص)؟
عند تتبع الروايات الشريفة يتضح منها أن النهر والحوض واحد باعتبار أنّ النهر يمثل المجرى المتصل بالمنبع من تحت العرش، ثم يصب في الحوض من خلال مثعبين يصبان فيه صباً أحدهما من تسنيم والآخر من معين، فيكون الحوض قبل دخول الجنة في ساحات الحساب وعَرَصات القيامة، والنهر يكون في داخل الجنة، ولذلك تجد أن صفاتهما متشابهة الى حد بعيد فالحوض عادةً يأخذ الكثير من صفات المصب و المنبع. ونجد هذا واضحاً في بيان الرسول الأكرم(ص) للكوثر كما في هذه الرواية الشريفة: (عن أنس قال بينا رسول الله(ص) ذات يوم بين أظهرنا إذْ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسماً فقلنا ما أضحكك يا رسول الله قال أنزلتْ عليّ آنفا سورة فقرأ: بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ إِنَّآ أَعۡطَيۡنَٰكَ ٱلۡكَوۡثَرَ ١ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ ٢ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلۡأَبۡتَرُ ٣ ثم قال أتدرون ما الكوثر فقلنا الله ورسوله أعلم قال فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة) . حيث ذكر (ص) أنّه نهر ثم عقّب بأنّه حوض ، وعلى هذا فلا تناقض في الروايات الشريفة فالرسول الأكرم(ص) قد أُعطي الحوض مع منبعه كاملاً، إضافة الى طاقم كامل معه من سقاة وذادة وهم أهل بيته(ع)، مع المنازل والقصور والحواري والطيور. كما سيتبين فيما يأتي إنْ شاء الله تعالى.